علـيُّ الأكبر شبيـه جـده المصطفى صلى الله عليه وآله

السبت, 04 أبريل 2015
2449

(1) قافلة الحسين

كثيرةُ هي القوافل التي سارت في الأرض... عَبَرَتْ جِبَالها والصَّحاري..

لكن أعزَّهَا وأكرمها.. قوافلُ الأنبياء... وأبناء الأنبياء..

كانت قافلة أبناء الرسول تَعْبُرُ الصحاري العربية.. متجهةً الى حيث القَدَرْ.

حيثُ وَعَدَ اللهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وآله .. وَوَعَدَ الرسولُ سِبْطَهُ الحسين عليه السلام ..

يا ولدي: إن الله تعالى اختار لك مَصْرَعاً في أرض العراق.. فإذا لاحت لك أنوارُهْ.. وشممت عَبِيرَهْ.. فَوَجِّهْ قافلتكَ الى كربلاء.. واستبشر بلقاء الله.. وأنا في انتظارك.. ولدي حسين: رِضَا اللهِ رضانا أهلَ البيت !

قافلةٌ ولا مِثْلَهَا قافلة.. عشرونَ من أبناء الرسول وعِتْرَتِه.. يتقدمهم الحسين عليه السلام راكباً فرسه ، تحوط به نجومُ بني هاشم.. العباس عن يمينه.. وعليُّ الأكبر عن يساره.. وخلفهم كوكبةُ الأنصار ، ثمراتُ الأرض ، وَخَيْرُها شجاعةً وَيقينَا..

كانت خيولهم تطأُ الصحراء وجمالهُم..فتهتز أعماقُهَا اعتزازاً بهم وفرحاً.. وحبُّ الله يَشِعُّ من عُيوُنهم.. فيَعْبَقُ به نَسِيمُها..

وقفوا في عُذّيْبِ القادسية.. بين يَدي الله عز وجل.. صَفّاً مرصوصاً في صلاةِ الفجر.. أعظم من صفِّ الحرب وأجمل.. بإمامةِ ابنِ رسولِ الله.. وَفَرَحٍ دونه أفراح الدنيا.. وخشوعٍ حَدَّثَتْ عنه العيونُ بالدموع..

ثم واصلوا مسيرَهم بعد الصلاة.. بقلوبٍ طاهرةْ.. ونياتٍ صادقةْ.. ووعيٍ للطريق.. والميعادُ كربلاء..

سِرْعَانَ ماتلَوَّنَ أُفُقُ القادسية بقافلةِ الحسين.. فَخَجِلت الشمس.. وأرسلت أشعتها خاشعةً.. تلثم نَسِيمَهُم ، وَنْثَر رِمالهم..

( المؤثرات الصوتية: قافلة في الصحراء ، فيها رغاء الجمال وصهيل الخيل من بعيد . وأصوات متزنة لرجال ، وأحيانا أصوات أطفال مطمئنين . وينبغي أن تكون المؤثرات خفيفة ومتباعدة ، وإلا صارت هي الاساس أو أخذت أذن السامع فلميبق من سمعه وحواسه شئ للموضوع . وقد وقعتم في هذا الخطأ مع الاسف سابقا )

 

 

(2) أصحاب اليقين

كان عليُّ الأكبر يذكر الله تارةً.. وتارة يردد ما قاله والده الحسين في تلك الليلة لواحدٍ من قادة يزيد هو الحرُّ بْنُ يزيدٍ الرياحي..قال له بحزم:

( أفبالموتِ تخوفني ؟! وهل يَعْدُو بكم الخَطْبُ أن تقتلوني !

سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى     إذا ما نـوى حقاً وجاهَدَ مُسْلِمَ

وواســى الـرجال الصالحين بنفسـهِ        وفارق مَثْبُـوراً وخالـفَ مُجـرم

فـإن عشتُ لم أندمْ وإن مِتُّ لم أُلَمْ           كفى بك ذُلاً أن تعيشَ وُتُرْغَم

ورمق علي بطرفه الأفق.. وتكلم مع الله بصمت.. ومع جده رسول الله..

ونظر الى أبيه الحبيب خير أب على وجه الأرض.. فرآه قد غفا على قربوس فرسه.. وقليلاً من الليل مايَهْجَعُ الحسين.. كان له مع القرآن مَوْعِد.. ومع ربه صلاةٌ ومناجاة.. فارتاح عليٌّ لإغْفَاءَةِ أبيه.. كان يرتاح إذا ارتاح.. فهو له الوالد والرائد والإمام..

ولم تَطُلْ إغفاءَة الحسين حتى رفع رأسه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين . رددها مرتين أو ثلاثاً.. فأحسَّ علي بِخَبَر.. لعلَّ مُشْكِلةً حَدَثَتْ.. أو خَطَراً يُمْكِنُهُ أن يَدْفَعَهُ عن إمامه بروحه..

أَدْنَى عليٌّ فرسَه من فرس أبيه وقال: إنا لله وإنا اليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين.. سيدي.. يا خَيْرَ أهل الأرض وبقيةَ الأنبياء.. جُعِلْتُ فداك ، مِمَّ حَمِدْتَ الله واسترجعت ؟ قال الحسين: يا بنيّ إني خَفَقْتُ برأسي خَفْقَةً فَعَنَّ لي فارسٌ على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسير اليهم ، فعلمتُ أنها أنفسُنَا نُعِيَتْ إلينا !

قال له علي الأكبر: يا أبتِ لا أراكَ الله سوءاً.. أَلَسْنَا على الحق ؟

قال الحسين: بلى والذي اليه مَرجِعُ العباد .

قال: يا أبتِ إذن لا نبالي وَقَعَ الموت علينا ، أم وَقَعْنَا على الموت..

فقال له الحسين: جزاك الله من ولدٍ ، خَيْرَ ما جزى ولداً عن والدِه .

ونظر عليٌّ أمامه في صحراء كربلاء فلم يَرَ فيها أشعةَ الشمس ولهيبها.. ورأى شمسَ الحسين تُشْرِق.. ونظر الى سمائها فَخَفَقَ قلبه الشاب ، وانحدرت دموعه الغزار ، وتكلم مع رب العالمين:

اللهم إن وليك الحسين راضٍ عني وقد دعا لي.. فَارْضَ عني..

وإن أَذِنْتَ لنا بالشهادة فاجعلني أول مقتول بين يديه !

وأحس عليٌّ الأكبر بالسكينة.. وبنسيم رباني حلَّ قلبه وسرى في عروقه.. وملأَهُ عزيمةً ونشاطاً.. فَشَدَّ حَيَازيمه.. وأدار لثامَهُ.. وواصل الطريق الى جنب قائد المسيرة..

(المؤثرات الصوتية: نشيد الأبيات الثلاثة المذكورة. من أولاد ، وكبار ، ترافق الحديث.. وبعد انتهاء القطعة نفس النشيد من رجل بصوت هادئ جاد وقر وحزين ومصمم )

 

 

(3) أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله

حاصرت قوات يزيد الكوفة لمنع الحسين عليه السلام من دخولها..

وحاصرت قوات يزيد قافلة الحسين لتمنعه من المسير في أي اتجاه وتُجْبِرَهُ على النزول في صحراءٍ لا حِصْنَ فيها ولا ماء..

وعرف الحسين المنطقة بتربتها ونورها وعبيرها.. فقد وصفها له جده..

هي.. كربلا.. وهزَّ الحسين برأسه.. نعم هي تربتي.. هاهنا مَنَاخُ ركابنا.. هاهنا مَحَطُّ رحالنا.. هاهنا تُسْفَكُ دِماؤنا !! رضاك يا رب رضانا أهل البيت..

وأمرهم بالنزول..

نزلت قافلة الرسول في كربلاء في اليوم الثاني من محرم الحرام.. وبدأ علي الأكبر رحلةَ الثمانيةِ أيامٍ في كربلاء لم يَنَمْ فيها إلا لُمَاماً.. ولم يأكل ولم يشرب إلا لُمَاماً.. ولم يترك أباه الحبيب إلا لُمَاماً..

بدأ علي بإنزال الاطفال والنساء من المحامل.. وشارك الأصحاب في نصب الخيام.. وترتيب الخندق حولهَاَ.. ولاَزَمَ أباه الإمام عليه السلام حارساً له ومحروساً به ، ومتابعاً معهً المفاوضاتِ والأحداث..

كان عليٌّ يقرأ الأحداثَ في وجه أبيه.. ويحبُّ التزوَّدَ من النظر إليه..

كان يرى أنوار الآخرة من عينيه.. وعِطْرَ الجنة من كلماتِه..

وكان الحسين يقرأ في وجه عليِّ الأكبر وجْهَ رسول الله.. فعليُّ الأكبر أشبهُ الناسِ خَلْقاً وخُلُقاً وَمَنْطِقاً بجده الرسول.. وكلُّ شئٍ فيه يُذَكِّرُ الحسين بجده وما هو بِنَاسِيه.. قسماتُه وشمائلُه.. حركاتُه وسكناتُه..كلماتُه ونَبْرَاتُه.. بسمتُه.. أدبُه.. رضاه وغضبُه.. سُمُوُّهُ على الدنيا وتطلعه الى الآخرةْ..

سبحان من خلق جده وخلقه..

 

 

(4) والفضل ماشهدت به الأعداء

علي الأكبر بن الحسين.. ابن الثمانيةَ عشر ربيعاً.. ملائكيُّ الصفات.. محمديُّ السمات.. علويُّ الشجاعة.. حسينيُّ التربية.. كان يفتخر به أخوالُه من ثقيف لأن أمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي ، ويفتخر به بنو أمية الذين قتلوه ! لأن أم أمه منهم..

كان معاوية بن أبي سفيان في مجلسه يوماً فتذكر شخصية علي الأكبر بن الحسين.. فقال للحاضرين: من أحقُّ الناس بهذا الأمر برأيكم ؟

قالوا: أنت !

قال: لا ، أولى الناس بهذا الأمر عليُّ بن الحسين بن علي.. جدُّه رسول الله.. وفيه شجاعةُ بني هاشم ، وسخاءُ بني أمية ، وزَهْوُ ثقيف !

وفيه يقول الشاعر:

لَم تَـرَ عيـنٌ نَـظَـرَتْ مِثلَهُ              مِنْ مُحْتفٍ يمشي ومِنْ نَاعِلِ

يَغْلِي نَهِئَ اللحم حتى إذا              أَنْضجَ لم يُغْـلِ على الآكلِ

كان إذا شبَّتْ له نارُهُ                    يُوقِدُهَا بالشَّرَفِ القائِلِ

كَيْمَا يَراها بَائِسٌ مُرْمِلٌ              أو فَرْدُ حيٍّ لَيسَ بالآهِلِ

لا يؤثرُ الـدنيا على دينـِهِ           ولا يَبِيعُ الحقَّ بالباطل

أعني ابن ليلى ذاالسَّدى والنـدَّى َ      أعني بْنَ بِنْتَ الحَسَبِ الفاضِلِ

 نشيد:

بَلــغ العلــى بكمـالـِهِ              كشف  الدُّجى  بجمالِهِ

حَسُنَتْ جميعُ خِصاله              صلوا عليـه وآلــه

 

 

 

(5) يزيد يعرض الدنيا على علي الأكبر

ثمانيةُ أيامٍ في كربلاء.. مليئةٌ بالعمل في النهار والعبادة في الليل.. وكلُّ أعمالها عبادة.. وعليُّ الأكبر له من كل خير نصيب..

شارك مع عمه العباس في الأيام الأولى في عملية إحضارِ الماءِ من الفرات.. وكانت عمليةً قتالية..فأخذ مع عمه العباس اسم سقَّاء بني هاشم..

وكان عليٌّ يُثَبِّتُ قلوب شباب بني هاشم.. محبوبُ الجميع.. يخدم الجميع.. ولكنهم لايريدون أن يخدمهم.. يريدون فقط أن يتزودوا من النظر الى وجهه.. ومن سَمَاعِ مَنْطِقِه..

كان يزيدُ بن معاوية يعرف رأي أبيه معاويةَ في علي الأكبر.. ولذا أرسل له بالأمان.. وأبلغه قادة الجيش رسالة يزيد له: ( فإن شئت آمناك ، وصرت إلى الدنيا ) فاشمأز عليٌّ من هذا الإنحطاط ، وشَكَر الله على ماهو فيه من السُّمو، وقال لهم إن كنتم تفهمون منطق القرابة وتَرْعَوْنَ حقها ، فقرابةُ رسول الله أحقُّ أن تُرْعى ! ولكن علياً يعرف أن القوم ليسوا من أهل القِيَم حتى قِيَم الدنيا العاديَّة !

كانت أبوابُ الدنيا مفتوحةً أمامَه.. ولكن كلَّ الدنيا ونَعِيمِها أضيقُ عنده من سَمَّ الخياط.. وأظلمُ من بِئْرٍ مُظلم.. ها هي أبوابُ الجنة مفتوحةٌ أمامَهُ يَرَاها.. ويشمُّ أريجَهَا.. ويخطو في ركاب أبيه اليها.. وما زالت تَرِنُّ في أذنِهِ رسالةُ أبيه الحسين الى أهل المدينة ( أما بعد فكأنَّ الدنيا لم تَكُنْ.. وكأنَّ الآخرةَ لم تَزَلْ.. من لحق بنا استشهد..ومن تخلَّفَ عنا لم يَبْلُغِ الفتح..!) فترتفع به الى عوالم الأنبياء وتُرَفْرِفُ روحُهُ بأجنحتها لأبيه.. شوقاً الى ربه..

 

*زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاعالحياة الدنيا والله عنده حسن المآب .

* قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد .

* الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفرلنا ذنوبنا وقنا عذاب النار .

* الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار ). آل عمران 14-17

يا دنيا يا دنيا إليك عني ، أَبِي تعرضتِ ، أم إليَّ تَشَوَّقْتِ: لاَ حَانَ حِينُكِ.. هيهاتِ غُرِّي غَيْري ، لا حاجةَ لي فيكِ ، قد طلقتك ثلاثاً لا رَجْعَةَ فيها.. فعيشك قصير ، وَخَطَرُكِ يسير ، وأَمَلُكِ حقير.. آهٍ من قلةِ الزاد ، وطولِ الطريق ، وبُعْدِ السفر ، وعظيمِ المورد !

تكرر الآية والفقرة مع الحديث أو خلاله.. وبعد الحديث تعاد الآية ) .

 

(6) الحسين عليه السلام ينصح..أعداءه

توالى حشد قوات يزيد في كربلاء حتى صاروا ثلاثين ألفاً.. وجاء قائدهم العام عمر بن سعد بن أبي وقاص.. وتوالت طلباتهم على الحسين أن يبايع يزيداً أو القتال.. وأرسل الحسين عليه السلام إلى عمر بن سعد: إني أريد أن أكلمك فَالْقِني الليلةَ بين عسكري وعسكرك ، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين عليه السلام في مثل ذلك ، فلما التقيا أمر الحسين عليه السلام أصحابه فتنحوا عنه ، وبقي معه أخوه العباس وابنه علي الأكبر ، وأمر عمر بن سعد أصحابه فتنحوا عنه ، وبقي معه ابنه حفص وغلام له .

فقال له الحسين عليه السلام : ويلك يا ابن سعد أما تتقي الله الذي إليه معادُك ؟ أتقاتلني وأنا ابْنَ من عَلِمْت ؟ ذَرْ هؤلاء القوم وكن معي ، فإنه أقرب لك إلى الله تعالى .

فقال عمر بن سعد: أخاف أن يُهْدَمَ داري .

فقال له الحسين عليه السلام : أنا أبنيها لك .

فقال: أخاف أن تُؤْخَذَ ضيعتي .

فقال الحسين عليه السلام : أنا أَخْلُفُ عليك خيراً منها من مالي بالحجاز .

فقال: لي عيال وأخاف عليهم ، ثم سكت ولم يجبه إلى شئ .

فانصرف عنه الحسين عليه السلام وهو يقول: مَالَكَ ، ذبحكَ الله على فراشك عاجلاً ، ولا غفر لك يوم حشرك ، فوالله إني لأرجو ألا تأكل من بُرِّ العراق إلا يسيراً ، فقال ابن سعد: في الشعير كفاية عن البُرّ ، مستهزئاً بذلك القول !

(المؤثرات الصوتية: أصوات وحركات حشد الجيش المعادي واستعداد هم للحرب.. أصواتهم وبعض كلماتهم مع بعضهم التي تصور كثرتهم وعدم تدينهم وارتزاقهم ) .

 

 

(7) أجمل الليالي وأغناه

كان الحسين ليناً مع أعدائه.. لأن هدفه أن يُبَلِّغَ دين جده.. ويقيمَ الحجة.. ويبرِّئَ ذمته أمام الله تعالى..

قال لهم: لقد كتبتم الي أنكم لم تبايعوا يزيداً فأقدم علينا.. فأرسلت اليكم ابن عمي فبايعتموني.. فإن كنتم كارهين لي فدعوني أذهب في هذه الأرض الوسيعة..

قالوا: إما أن تُبَايِعَ يزيداً أو نُقَاتِلْك !!

قال لهم: دعوا الأمر بيني وبين يزيد.. ولا تأثموا بسفك دمي..

قالوا: لا ندعك حتى تبايع يزيداً أو نَقْتُلْك !

لم تنفعهم ليونة الحسين.. بل زادتهم عناداً وطغياناً.. وصار مطلبهم في اليوم التاسع أن يستسلم الحسين وأصحابه بدون قيد أو شرط ، ويقبل بحكم يزيد وابن زياد ، يحكمان فيهم بما يُحِبَّان..!

وزحفت قواتهم وضيقت حصارها على الحسين عليه السلام ، وألَحَّ عليه قادتُهَا عليه أن يجيبهم على مطلبهم بالنفي أو بالإثبات !

أرسل الحسين أخاه العباس ليفاوضهم وقال له: ( إرجع اليهم ، فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غَدْوَةٍ وتدفعهم عنا العَشِيَّةَ ، لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره ، فهو يعلم أني قد كنت أحبُّ الصلاةَ له وتلاوةَ كتابه وكثرةَ الدعاء والإستغفار ) .

كان الوقت عصراً والحسين جالس على باب خيمته.. وعليُّ الأكبر يرقُبُ أباه.. وينتظر رجوع عمه.. ورجع العباس وأصحابه بالجواب ، فقد اختلف قادة جيش يزيد ، ثم اتفقوا على قبول التأجيل الى الغد.. الى صبيحة يوم عاشوراء.. وارتاح الحسين لهذه المهلة.. وعرف علي الأكبر برنامجَ العمل.. في هذه الليلة الثقيلة الجميلة:

دعوةُ الأصحابِ وجَعْلُهُمْ في حِلٍّ من البيعة..

وتقريبُ الخيام من بعضها وجعلُها شبه دائرة ، وتحصين ظهرها لحصر القتال من جهة واحدة.. وتوجيهُ النساء والأطفال لتحمُّلِ الشهادة والأسر..

وتوجيهُ زينب لإيصال صوت كربلاء الى الأمة..

وقبلَ ذلكَ وبعدَه التزودُ من عبادة الله في آخر ليلة من العمر..

وأنْجَزَ عليُّ الأكبر ما عليه من العمل.. وبات مع أصحاب الحسين في تلك الليلة ولهم دَوِيٌّ كدَوِيِّ النحل.. مابين راكعٍ وساجد.. وقائمٍ وقاعد.. وتالٍ للقرآن.. ورافعٍ يديهِ بالضراعةِ والدعاء..

وسِرْعَانَ ما مضى ليلُ عليِّ الأكبر.. وبدأَ الأفقُ ينسجُ خيوطَ الفجر.. وكان عليه أن يؤذنَ للصلاة..

وقف عليٌّ في مصلى كربلاء أمامَ خيمةِ الحسين.. واتجهَ نحوَ الكعبة.. وأطلقها: الله أكبر.. فترددت في الأفقِ ودَوَّتْ في أرجاءِ الصحراء ، وهَرَعَ ناسٌ من خيام جيش يزيد قائلين: هل سمعنا صوتاً من السماء.. لكنهم عرفوا أنه صوت علي الأكبر ، يؤذن لصلاة الفجر.. فانكفؤوا الى خيامهم وأبلست عيونهم فلم تدمع ، وقست قلوبهم فلم تخشع..

أما أصحاب الحسين فخشعوا لصوت الرسول من حفيده علي.. وخرجوا الى الصلاة بالدموع والسلاح.. فبعد الصلاة ميعادهم مع صلاة الدفاع عن الإسلام وآل الإسلام..

أكمل علي الأكبر أذانَهُ للصلاة.. فاستعدَّ الجميع.. وذهب النعاسُ حتى من أولئك الذين لم يعرفوا طعمَ النوم في تلك الليلة.. ونزلت عليهم اليقظةُ والنشاطُ والوعيُ والوضوح.. فكلُّ شئٍ لهم واضح.. بمقدار ماهو لأعدائهم مبهم مظلم ..

طالما صلى عليٌّ مؤتماً بأبيه.. وكلُّ حياتِهِ صلاةٌ مع أبيه.. ولكنَّ طعمَ هذه الفريضة يختلف.. ولم يكن أعظم منها في حياته إلا صلاة الظهر والعصر تحت وقع السهام خلف أبيه مباشرةً.. وبقي ذلك اليوم خلفَهُ لم يغادره لحظةً إلا عندما أرسله لتسكيت نائحة النساء.. وعندما استأذنه للقتال..

 

مطهــرونَ نـقـيــاتٌ ثـيـابُــهُــمُ              تجري الصلاةُ عليهم أينَمَا ذُكِرو

من لم يكـن علـوياً حِيـنَ تَنْسِبُـهُ             فما لهُ في قديـمِ الدهـرِ مُفْتَخَـر).

 

 

(8) شهادة علي الأكبر

طويلةٌ أيام تُمَوُّزٍ في صحراء العراق وشديدٌ حرُّهَا.. أما يومُ عاشوراء منها فهو بِطُولِ الدهر.. وقد تَلقَّى عليُّ الأكبر أحداثَه تَلقِّي الأولياء.. وثبتَ أمامَ أهوالِهِ كما يثبت أشبُه الناس برسول الله.. قال له أبوه الحسين عند طلوع الشمس: أحضرْ لِيَ الناقةَ حتى يَرَوْني فأخطبُ فيهم وأُبَلِّغُهُمْ ما يجبُ عليَّ.. واركب أنت فرسي حتى أفرغَ من خُطْبَتِي..

ورافق أباه حتى وصل الى قربِ صفوفهم.. وشهدَ خطبته فيهم.. فسمع واحدةً من خُطَبِ جده الرسول في أهل مكة.. ورأى جديداً من إِبْلاَسِ القومِ وانحطاطِ أرواحهم !

ورجع مع أبيه الى صف الملائكة.. وما هو إلا أن فتح جيشُ يزيدٍ المعركةَ بِرَشْقِ سِهَام ، كان أولها سهم عمر بن سعد إذ أطلقه وقال لمن حوله: إشهدوا لي عند الأمير أني أولُ من رمى الحسين بسهم !!

وتقدم فرسانُ جيشِ الحسينِ للمبارزة ، في طليعتهم أبو الفضل العباس وعليُّ الأكبر.. ولكن الأنصار اعترضوا وأقسموا على الحسين عليه السلام أن يدافعوا هم أولاً عن آل الرسول صلى الله عليه وآله ولا يَبْرُزَ أحد من أهلِ بيته حتى لا يبقى أحدٌ من الأنصار.. وأخذوا من الحسين وعداً بذلك..

فدمعت عينا علي الأكبر وتَسَمَّرَ خَلْفَ أبيه يراقبُ المبارزين.. ولا يشارك في القتال إلا في حراسة أبيه أو دَفْعِ حملةٍ بحملة ..

امتدَّتِ المعركةُ من بعدِ طلوعِ الشمس الى ما بَعْدَ الظهر.. وثبت اثنانِ وسبعونَ من فرسانِ العرب وتلاميذ الحسين عليه السلام في وجه ثلاثين ألفاً من فرسان الخوارج ومُرْتَزِقَةِ بني أمية.. وعليُّ الأكبر يعيش في عوالمِ ربهِ وجدهِ وأبيه.. وتتوثبُ روحُه بين جنبيه لخوضِ المعركة.. حتى لم يَبْقَ من الأنصار إلا رجلٌ أو رجلان ، فتقدم الى أبيه وهو على فرس له يدعى ذا الجناح ، وطأطأ رأسه خشوعاً وخَجِلاً ، وَطَلَبِ من أبيه أولَ طلبٍ له في حياته.. أن يأذنَ له في الحملة.. فأرخى الحسين عينيه بالدموعِ وأطرق ، ثم قال: اللهمَّ شْهَدْ إنه قد برز اليهم غلامٌ أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً برسولك ، وكنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا اليه ، ثم صاح: يا ابن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي، ولم تحفظني في رسول الله صلى الله عليه وآله . ففهم عليٌّ الإذنَ من أبيه ، وانقض على القوم وهو يقول:

أنا عليُّ بنُ الحسينِ بن علي         نحـنُ وربِّ البـيتِ أولى بالنبي

أطعنُكُـمْ بالرمـحِ حتى ينثني          أضربكمْ بالسيفِ أحمي عن أبي

ضربَ غلامٍ هَاشِمـيٍّ علوي          تالله لا يحكـمُ فينـا ابـنُ الدَّعِي

وشد على القوم وهم ينهزمون بين يديه يمنة ويسرة.. يفعل ذلك مراراً..

ثم عاد إلى أبيه وهو يقول: يا أبت العطش قد قتلني ، وثقلُ الحديد قد أجهدني ، فبكى الحسين عليه السلام وقال: واغوثاه ، أَنَّى لي الماء.. قاتل يا بنيَّ قليلاً واصبر فما أسرع الملتقى بجدك محمد صلى الله عليه وآله فيسقيكَ بكأسه الأوفى شربةً لا تظمأ بعدها أبداً..

ولم يزل يحمل فيهم على فرسه ويقتل منهم ، ويرجع الى أبيه ويقول: يا أبتِ ، العطش.. وكانوا يومئذ قد منعوهم الفرات وأجهدهم العطش فيقول له الحسين عليه السلام : إصبر حبيبي فلعلك لا تمسي حتى يسقيك جدك رسول الله صلى الله عليه وآله . فلم يزل كذلك يحمل فيهم ويقتل منهم ، حتى رماه مرةُ بن منقذِ العبدي بسهمٍ في حَلْقِهِ فاعتنقَ فرسَهُ ، فكرَّ بِهِ على الأعداء فاحْتَوَوْهُ بسيوفهم فقطَّعوه ، فصاح قبل أن يفارقَ الدنيا: السلام عليك يا أبتي ، هذا جدي المصطفى قد سقاني بكأسه الأوفى ، وهو يقول لك العَجَلْ فإن لك كأساً مذخورا.. فشد الحسين عليه السلام حتى وقف عليه وهو مقطع ، فقال: قتل الله قوما قتلوك يا بني ، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول ! ثم استهلت عيناه بالدموع وقال: على الدنيا بعدك العفا .

قال أبو مخنف: وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي: يا أخاهْ ويا ابنَ أَخَاه.. فقيل هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله ، فجاءت حتى أَكَبَّتْ عليه ، فجاءها الحسين عليه السلام فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط ، وأقبل الحسينُ عليه السلام إلى ابنه وأقبل فتيانُهُ إليه فقال: إحملوا أخاكم ، فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه .

 

 

(9) زيارة علي الأكبر

السلام عليك يا أولَ قتيلٍ من نسلِ خير سليل ، من سُلالةِ إبراهيمَ الخليل ، صلى الله عليك وعلى أبيك إذ قال فيك: قَتلَ اللهُ قوماً قتلوكَ يا بنيَّ ما أجرأَهُمْ على الرحمن ، وعلى انتهاكِ حرمةِ الرسول ، على الدنيا بعدك العَفَا . كأني بك بين يديه ماثلاً ، وللكافرين قاتلاً ، قائلاً:

أنا علي بن الحسن بن علي            نحن وبيــت الله أولــى بالنـبي

أطعنكم بالرمـح حتى ينثني         أضربكم بالسيف أجمي عن أبي

ضـرب غـلام هاشمي عربي          والله لا يحكــم فينـا ابن الدعي

حتى قضيتَ نحبك ، ولقيتَ ربك ، أشهد أنك أولى بالله وبرسوله ، وأنك ابن رسوله وحجتِهِ وأمينهِ ، وابنُ حجتِهِ وأمينِهِ . حكمَ الله على قاتلِك مُرَّةَ بنِ منقذٍ بن النعمان العبدي لعنه الله وأخزاه ، ومن شَرِكَ في قتلك ، وكان عليك ظهيرا ، أصلاهم الله جهنمَ وساءت مصيرا ، وجعلنا الله من مُلاَقِيكَ ، ومرافقي جدِّكَ وأبيكَ وعَمِّكَ وأخيك ، وأمكَ المظلومة ، وأبرأ إلى الله من أعدائك أولي الجحود ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.(17ذوالحجة 1417).

أضف رد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
Image CAPTCHA